دارسو تاريخ المذاهب الإسلامية ينتبهون، بوضوح، إلى الدور الكبير الذي أدّاه الظاهر بيبرس في حماية مصر من حالة تشرذم مذهبيّ حاد.
ففي عام 663هـ؛ أصدر الظاهر بيبرس قراره المعروف الذي قضى بتخصيص قضاة للمذاهب الأربعة في مصر، وفرض على الجميع احترام بعضهم بعضاً. كان قراراً سياسياً، إلا أنه حكيم جداً، ولولاه؛ لاستمرّ المصريون في التصارع المذهبيّ.
ومنذ ذلك القرار؛ لم يتدخل السياسيون المسلمون بهذا المستوى الإيجابي الحاسم في الأزمات المذهبية المتلاحقة إلا مرة واحدة؛ وذلك حين خرج الزعماء المجتمعون في قمة التضامن الإسلامي بمكة المكرمة عام 2005 باعتراف متبادل شمل ثمانية مذاهب إسلامية، وضمّ المذاهب السنية الأربعة، والمذهب الظاهري، والمذهب الإباضي، والمذهب الجعفري، والمذهب الزيدي.
وحين اختار خادم الحرمين الشريفين مكة المكرمة، أيضاً، للإعلان عن تأسيس مركز لحوار المذاهب في المملكة؛ فإن هذا التأسيس يمثل استكمالاً عملياً لمشروع الزعماء المسلمين عام 2005.
إن التاريخ الإسلامي مثقَل بكثير من الصدامات القائمة على اختلافات عقَدية وفقهية صغيرة. ولطالما كان هذا الاختلاف مغذياً للصراعات السياسية أو متغذياً منها. ولطالما وجد هواة الجدل المذهبيّ فرصهم الشخصية لتحشيد الآراء ونفخ الاحتقانات في إدارة مجادلاتهم مع خصومهم، وتحويل المسائل العلمية التخصصية إلى فقاعات رأي عام يتبادلها الضحايا من البسطاء المغلوبين على أمرهم.
وسواء صدّقنا بوجود المؤامرة أم لم نصدّق؛ فإن المسلمين ليسوا مستفيدين شيئاً من تحويل اختلافاتهم إلى حروب وصراعات. حين يتبادل الحنبليّ والحنفي ما ورثاه من ملاسنات ومناكفات؛ فإن المستفيد ـ حتماً ـ هو شخص ليس حنبلياً ولا حنفياً. وحين يصرّ السني والشيعي على إيذاء كلّ منهما الآخر؛ فإن طحين الإيذاء لن يسرّ الصحابة ولا أهل البيت. وإنما سيُطعم طرفاً ثالثاً لا يهمه الصحابة ولا أهل البيت.
نحن ـ المسلمين ـ ورثنا تاريخاً عريضاً، ومن حقّ إسلامنا وأوطاننا ألا يتحوّل هذا التاريخ إلى مستقبل. لا جدوى من أن يحاول أيّ منا إلزام آخر بمنطقه، فذلك لم يحدث ولن يحدث. والممكن حدوثه هو التزام كلّ منا ما يحمله، واحترام ما يحمله الآخر.